الفكر الإسلامي

 

 

 

 

التصور الواضح للوحدة الإسلامية المنشودة

 

 

 

بقلم : الشيخ الجليل المربي الكبير العلامة أشرف علي التهانوي

المعروف بـ Kحكيم الأمةJ المتوفى 1362هـ / 1943م

تعريب : أبو أسامة نور

 

وحدة العقيدة :

     يأتي مفهوم العقيدة من ارتباط الإنسان المسلم بعقد مع خالقه بأن يفرده بالعبودية ، ويؤمن بما أنزله على خاتم رسله ، دون شكل أو ريب .

     فالعقيدة هي ما ارتضاه الإنسان لنفسه من إيمان بالله ، وما جاء من عند الله ، والتزم به وقبل المحاسبة عليه .

     أما عقائد غير المسلمين الذين لايؤمنون بالله وبما جاء من عند الله فخطابنا غير موجّه إليهم مادامت قلوبهم مقفلة عن ذكر الله .

     وهذه العقيدة هي في حقيقتها عقيدة التوحيد ، توحيد الله في ربوبيته وأنه إله واحد ، خالق مبدع لاشريك له ، وأنه القيوم على كل نفس ، سبحانه وتعالى له الأسماء الحسنى ، والصفات العلى .

     وإن كل من التزم بهذه العقيدة فهو أخ في الدين، أي في عبادة الله كما أمر، والعبادة لله هي لصالح البشر في أن يكونوا صالحين لأنفسهم لقوله تعالى في سورة الجاثية : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أسَاءَ فَعَلَيْهَا ثــُم إلىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُوْنَ﴾ الآية 15 من سور الجاثية .

     والرجعة إلى الله تكون للمحاسبة على ما أسلف الإنسان في حياته الدنيا ، ولنقرأ قوله تعالى :

     ﴿فَوَرَبك لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ ، عَمَّا كَانُوْا يَعْمَلُوْنَ﴾ سورة الحجر الآية 92/93.

     وجميع المسلمين يشعرون (بقرارة أنفسهم) أنهم أمة واحدة من دون الناس على مدى التاريخ مهما تباعدت ديارهم ، خالقهم واحدة لاندّ له ، ونبيهم واحد، وكتابهم واحد، كما أنزل لم يتغير منه حرف واحد ، ولا يأتيه باطل من بين يديه ولا من خلفه ، وتؤكد عبادتهم على ذلك في الصلاة إلى قبلة واحدة، وفي الانقياد إلى إمام واحد ، وفي الصيام في شهر واحد، وفي الحج في زمن وإلى مكان واحد ، فتصوراتهم عن الخلق والحياة والموت والقبر والبعث والحساب والجنة والنار واحدة ، وكذلك عن قدرة الله ، وعن الأجل والرزق ، وأن مهمة المسلم في هذه الحياة هي – بعد عبادة الله – عمارة الأرض واستثمار خيراتها فيما ينفع الناس ، وأنه لافرق بين أحد من الناس مهما اختلف عرقه أو لونه إلا بالتقوى ، وأن هذا هو معتقد المسلمين من يوم أن أنزل الله عليهم قوله :

     ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَّأُنْثىٰ جَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوْا إنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أتْقَاكُمْ﴾ سورة الحجرات الآية 13.

     إن العقيدة تنبثق عنها كل الوشائج الأخرى التي تشد أواصر الشعوب الإسلامية كالتاريخ واللغة والثقافة والعادات الاجتماعية ، ووحدة الآمال والآلام.

     ويقول الأستاذ أبو الأعلى المودودي – رحمه الله – : (في كتابه وحدة الأمم الإسلامية ص 31-33).

     إن الشعوب الإسلامية تتلاحم حدودها الجغرافية من باكستان شرقًا إلى المغرب الأقصى غربًا ، وإذا لم نأخذ البحر مانعًا للاتصال الجغرافي فإن البلاد الأندونيسية والماليزية كذلك تشارك العالم الإسلامي في التلاحم الجغرافي ، وأن هذه الشعوب لم تربطها رابطة العقيدة والدين فحسب ، بل مقومات الحضارة والتمدن كذلك توثق الوحدة بينها .

     فإذا سافر أحد من المسلمين من أندونيسيا إلى المغرب ، يبدو له جليًا أن هناك حضارة مشتركة تسود مبادئها وأصولها كل بقعة من بقاع العالم الإسلامي .

     فمثلاً كل بلد أزوره من البلدان الإسلامية أتأكد بمجرد أن يبلغ أذنى صوت المؤذن أن هذا البلد يسكنه الأخوة المسلمون ، ولابد أن يكون لهم فيه مسجد . وأشعر كأى رجل من أهل البلد أنى أحد أعضاء أسرته ، وإذا شاركت هذه الأسرة في أداء الصلاة لن يظننى أحد منهم أجنبيًا ، بل إذا علموا بوجودي وعلموا بأنني جئت من بلد إسلامي آخر يهرو لون إلى ويصافحونني وربما لا أفهم لغتهم التي ينطقون بها ، إلا أن التحية الإسلامية تشترك بيننا ، كما أن لغة خطبة الصلاة ليست غريبة علَيَّ ، وكذلك كلمات (الحمد لله) و (رب العالمين)، (الله)، وما إلى ذلك موحدة مشتركة فيما بيني وبينهم، وأن أشكال أركان الصلاة كذلك متوحدة من أندونيسيا إلى المغرب ، ولا يمنعهم شيء إذا صليت خلف إمامهم . وإذا خرجت من المسجد ودخلت المجتمع وجدت أو شعرت – أينما ذهبت – برابطة متينة من الحضارة والثقافة تجمع بيني وبينهم ، وإذا أكلت معهم أكلت وقلبي مطمئن بأن الذي أحرمه هم كذلك يحرمونه وأن الذي ألتزمه من قواعد الطهارة ومبادئ النظافة هم أيضًا يلتزمونها في حياتهم العامة . ثم إن كل دولة دخلتها لم يقابلني الخواص من أهلها فقط بن قابلني كذلك عامتهم في الأسواق، والأوتوبيسات، والمطاعم، وسألوني عما عليه إخوانهم في بلدي من الأحوال والظروف كأفراد عائلة واحدة يسألون بعضهم عن صحة أقاربهم . وإذا بشرتهم بخير الأحوال حمدوا الله تعالى وتلألأت وجوههم بهجة وحبورًا ، وإذا أخبرتهم بسوء الأحوال يدهمهم الحزن والأسى كأحد أبناء بلدي .. ليس هذا فحسب بل أن قوانين الأحوال الشخصية من النكاح، والطلاق، والإرث المطبقة في جميع البلاد الإسلامية تتشابه وتتقارب إلى حد أن لايصعب على المسلمين أن يتزاوجوا بينهم . هذا الوضع لا أشاهده في بلد تقطنه غير الشعوب الإسلامية قط .. ومعنى ذلك أننا معشر المسلمين تجمع بيننا آصرة عميقة الجذور قوية الخيوط من عواطف، ومشاعر، ومواساة، ومواخاة، وحضارة، وثقافة، تبلغ من تأكدها وتصلبها حيث لم يستطع أحد قصمها أو تمزيقها حتى في عصر الجنون القومي ، وطغيان التمييز العنصري ، وأضف إلى ذلك تلاصق البلدان الإسلامية من الناحية الجغرافية من الشرق إلى الغرب فلماذا لانتقارب ونتضامن لحل قضايانا المشتركة والمساندة بعضنا بعضًا في بلوغ معارج الرقى والتقدم والازدهار .

وحدة التاريخ :

     إن التاريخ الإسلامي يبدأ من يوم أمر الله و رسوله المصطفى بتبليغ الرسالة إلى الناس ، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ؛ لأن الإسلام لم يأت لناس محصورين ، ولم يأت لزمان محدود ، وإنما جاء للناس كافة. وإلى يوم الدين ، فهو دين الإنسانية قاطبة ، وإلى آخر أيامها ، آمن به من آمن، وكفر به من كفر؛ لأن مرجع الناس جميعهم إلى الله سبحانه فيحاسبهم على ماسبق منهم في هذه الحياة الدنيا من إيمان برسالاته أو بكفرهم بها .

     والتاريخ الإسلامي يمتد بامتداد الإسلام في الأرض ، وهو أن يبتدأ من مكة المكرمة ، وانبعثت راياته من المدينة المنورة ، ثم من المدن الأخرى التي أصبحت من عواصم العالم الإسلامي ، فإن كل أرض استقر فيها الإسلام وجرى فيها تطبيق أحكامه فهي بلاد الإسلام ويبتدئ تاريخها الإسلامي من ذلك اليوم الذي انطلق من روابيها نداء التوحيد (الله أكبر) .. واستمر هذا النداء حتى وان خفت فيها أحيانًا ، أو ضعفت النفوس وتهاونت بالأخذ بتعاليم الإسلام ، فإنه سريعًا ما يرتفع ثانية؛ لأن الإيمان إذا ما خالط القلوب فليس من السهل انتزاعه منها؛ لأن القرآن المحفوظ بحفظ الله له ، والسنة النبوية المبينة لأحكامه ، والتطبيق المثالي لأحكام الإسلام ، وماكان عليه السابقون الأولون يبقى نبراسًا ومنارة يضئ الدروب للسالكين على درب الإسلام مهما عصفت رياح المعادين له واحلولكت الظلمات فوق دروب السائرين ؛ لأن الشعلة الإيمانية في قلوبهم هي التي تنير لهم الطرقات ، وهي التي يحرص المسلم على أن يختتم بها حياته ، وذلك بأن تكون آخر كلمة ينطق بها هي كلمة التوحيد : «لا إله إلا الله» .

     وقد وصل المد الإسلامي إلى أندونيسيا شرقًا وإلى سواحل السنغال غرباً ، وأعالى نهر الفولجا شمالاً، وإلى جزيرة زنجبار وتحت خط الاستواء جنوبًا.

     فهذه المساحة الهائلة تدخل في شمول التاريخ الإسلامي ، وقد كان الإسلام في بعض مناطق هذا المد تحت تأثير عوامل الصد الخارجي ، والتحرك الداخلي لإثارة الشغب عليه ، غير أن معظم هذه المناطق كانت متصلة بحركة التاريخ الإسلامي التي لاتستطيع الفكاك عنه .

     وقد كانت مهمة الفتوحات الإسلامية التي امتدت إلى مناطق بعيدة عن قلب العالم الإسلامي هي نقل الإسلام إليها، وهدايتها إليه دون إكراه أو إلزام في اعتناق هذا الدين ، لهذا وجدنا أن عدد غير قليل ممن حافظ على معتقداته بقي في بلاده التي افتتحها المسلمون وتحت حمايتهم يمارس عقائده بحرية ويبنى كنائسه ومعابده إلى جوار مساجد المسلمين ، وهي إلى يومنا هذا شاهدة على حرية العبادة تحت ظل حكم المسلمين خلافاً لما عاناه المسلمون بعد انكسارهم في «أسبانيا»، وماعاناه المسلمون بعد تغلب الشيوعية عليهم في البلاد التي خضعت بالقوة لهم من شرق أوروبا إلى تخوم الصين وما يعانيه اليوم المسلمون في جمهورية البوسنة، والهرسك، وفي الشيشان من قتل، وظلم، ودمار، لدليل على الفارق الكبير بين الحكم الإسلامي، والحكم الغربي، وبين الحضارة الإسلامية، وعقيدتها، وبين الحضارة الغربية، وقوانينها .

     وقد وجد الإسلام طريقه بين كثير من الشعوب المختلفة التي خالطها أفراده دون قوة حربية تحميه ، وذلك عن طريق الاتصال الفردي والمعاملة الحسنة فنما الإسلام فيهم وتأصل في ذرياتهم فأصبحت بلادهم تدخل ضمن عداد البلاد الإسلامية ، وشملها التاريخ الإسلامي الذي اعتنقه معظم حكامهم ومعظم أفرادهم .

     وأن حملة هذا الدين كانوا في منطلق الدعوة هم العرب ، ثم من آمن من بقية الشعوب التي اعتنقت الإسلام في الشرق والغرب ، ولذلك نجد أن تراث الإسلام لم يقتصر على حملته من العرب وإنما كان لغير العرب من المسلمين حظ كبير في التعريف بالإسلام والحض على اعتناقه ، وأن الأمثلة على ذلك كثيرة ، وأن أسماء العديد من العلماء المسلمين من غير العرب يحفل بهم التاريخ الإسلامي أكبر شاهد على ما نقول . وأن المرابطة على الحدود المتاخمة للدول المحاربة للإسلام كانت تتشكل من أعداد كبيرة من بلاد العالم الإسلامي غير العرب .

     وهكذا نجد أن التاريخ الإسلامي ، العسكري منه والسياسي والاقتصادي هو تاريخ شعوب العالم الإسلامي من يوم أن اعتنقته وأصبح جزءًا من حياتها تدافع عنه وتموت في سبيله إلى يومنا هذا ، وإن هذه الشعلة الإيمانية لم تخب في قلوب معتنقى هذا الدين على الرغم من الضغوط التي لاقوها في سبيل زحزحتهم عن عقيدتهم ، وأن أي انفراج يشعرون به من جانب القوة الحاكمة يظهرون أنفسهم ، ويعلنون شعائرهم .. كما نجده في يومنا هذا في الصين الشيوعية وفي روسيا البلشفية ، حيث بدأ كابوس الحزب الشيوعي يرتفع عنهم وعن باقي الشعوب التي رزحت تحته من قبل .

     وأن أي محنة أو اعتداء يقع على بلد إسلامي نجد كثيرًا من أبناء الشعوب الإسلامية يسارعون إلى المشاركة بالمال، والأنفس تضامنًا مع أبناء دينهم في المناطق التي يغزوها أعداؤهم ، والمثل غير البعيد على ذلك بَذْلُ الهنود المسلمين الكثير من أموالهم وعتادهم لمساعدة مصطفى كمال ضد أعدائه قبل انقلابه المعروف لانقاذ الخلافة الإسلامية من الانهيار .. وكذلك مساعدة عدد لابأس به من أبناء البلاد العربية قاتلوا ويقاتلون الإنجليز في فلسطين، ومصر، وكذلك الذين قاتلوا النظام الشيوعي في أفغانستان طوال عشر سنوات حتى تحقق خروجهم وانسحابهم كانوا من بعض الدول العربية والإسلامية .

     إن هذه الأمثلة ، وقد سبقها كثير من قبل تشكل تاريخاً موحدًا تشترك فيه الشعوب المسلمة على اختلاف لغاتها وأجناسها لوحدة العقيدة فيها .

     وان التراث العلمي والثقافي يؤكد هذه الحقيقة من وحدة التاريخ العلمي بين أبناء الشعوب الإسلامية واشتراك مختلف هذه الشعوب في بنائه وترسيخه .

وحدة الآمال المشتركة :

     إن العقيدة الإسلامية التي تربط بين أبنائها في جميع توجهاتهم، ومظاهر عباداتهم، والتاريخ المشترك الذي يجمع بين أبناء الشعوب الإسلامية في تلاقيهم في ساحات النضال أو في الإنتاج العلمي الذي تتوارثه الأجيال فتنقله أو تزيد عليه أو تعرضه عرضاً جيدًا وحديثًا .

     إن هذا الترابط بين أبناء الشعوب الإسلامية ، إضافة على مايربط بينهم من أراض متجاورة، وبحار مشتركة، وأنهار متداخلة ، هو منطلق الآمال المشتركة التي يعيشها أبناء الشعوب الإسلامية في حاضرها وفي مستقبلها الذي تنتظره لأبنائها ؛ لأن الأفراح أو الأتراح التي تصيب شعبًا من الشعوب الإسلامية لاتقتصر عليه وحده وإنما يشاركه فيها باقي الشعوب الإسلامية التي تفرح لفرحه وتحزن لما أصابه ، وتسارع في مد يدالعون إليه قدر الإمكان .

     وماهي هذه الآمال المشتركة بين الشعوب الإسلامية إن لم تكن قائمة على استعادة الأمة الإسلامية موقعها الذي هي أهل له ، والذي جعلها بحق عندما أخذت بأوامر الإسلام التزامًا واجتنابًا خير أمة أخرجت للناس ؟

     إن الآمال المشتركة الموحدة للأمة الإسلامية هي في أن تكون عزيزة ، ذات سيادة حقيية تؤدي دورها الذي أعدها الله له في نقل العباد من عبادة الوثن، والبقر، أو المادة ، إلى عبادة الله وحده ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أمَّةٌ يَدْعُوْنَ إلَى الْخَيْرِ وَيَأمُرُوْنَ بِالْمَعْرُوْفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأوْلـٰـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُوْن . وَلاَتَكُوْنُوْا كَالَّذِيْنَ تَفَرَّقُوْا وَاخْتَلَفُوْا مِنْ بَعْدِ مَاجَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وَأوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيْمٌ . يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوْهٌ وَتَسْوَدُّ وَجُوْهٌ فَأَمَّا الَّذِيْنَ اسْوَدَّتْ وُجُوْهُهُمْ أكْفَرْتُمْ بَعْدَ إيْمَانِكُمْ فَذُوْقُوْا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُوْنَ وَأمَّا الَّذِيْنَ ابْيَضَّتْ وُجُوْهُهُمْ فَفِيْ رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فِيْهَا خَالِدُوْنَ تِلْكَ آيَاتُ اللهِ نَتْلُوْهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللهُ يُرِيْدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِيْن وَلله مَا فِي السَّمـٰـوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإلَى اللهِ تُرْجَعُ الأمُوْرُ. كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأمُرُوْنَ بِالْمَعْرُوْفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُوْنَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيرًا لَهُمْ مِنْهُم المؤمِنُوْنَ وَأَكْثَرُهُمُ الفَاسِقُوْن﴾ سورة آل عمران الآيات 104/110. ان هذا الميدان الذي يفتتحه رب العالمين بالخطاب العام للذين آمنوا يتقوا الله حق تقاته ، يوجههم فيه إلى غاية واحدة بأن يحرصوا على ألا يموتوا إلا وهم مسلمون.

     فهذا التوجيه الإلهي الكريم هو بغية وأمل كل مسلم ، ونرى الجميع وهم عند قرب منيتهم – يسألون الله سبحانه أن يتوفاهم على الإسلام . وقد سبق ليوسف عليه السلام ، وهو نبي ورسول وذوا سلطان أن يسأل ربه ، بعد أن عدد نعم ربه عليه أن يتوفاه مسلما ويلحقه بالصالحين وذلك في قوله تعالى: ﴿رَبّ قَدْ آتَيْتَنِيْ مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِيْ مِنْ تَأوِيْلِ الأَحَادِيْثِ فَاطِرَ السَّمـٰـوَاتِ وَالأرْضِ أنْتَ وَلِى فِي الدُنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِيْ مُسْلِمًا وَألْحِقْنِيْ بِالصَّالِحِيْن﴾ سورة يوسف الآية 101 .

     فهذا من وحدة الآمال المشتركة التي بين جميع المسلمين في أن يحرصوا على أن يكونوا مسلمين حقاً لأن تقوى الله حق تقاته لاتتحقق إلا بأن يتمسك المسلم بأوامر دينه التزامًا واجتنابًا ويتحلى بالأخلاق التي يأمره بها ربه بعد هذه الآية ، وهو توجيه جماعي أيضًا ، وذلك بأن يعتصموا بحبل الله جميعًا ولايتفرقوا، لأن في اعتصامهم بالله وحدة وقوة وحسن عاقبة ، وفي تفرقهم خذلانَا وضعفَا وسوء عاقبه .. وأن يتذكروا نعمة الله عليهم بالتأليف بينهم على هذه العقيدة وهذا الدين الذي لادين غيره لقوله سبحانه : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلاَمِ دِيْنًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِيْن﴾ سورة آل عمران الآية 85. ويوجههم سبحانه بعد ذلك إلى أن تكون منهم فئة يَدْعُوْن إلى الْخَيْرِ وَيَأمُرُوْنَ بِالمعْرُوْفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأوْلئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُوْن .

     وعندما سمع المؤمنون الأولون أن من يتصف بهذه الصفات يتحقق له الفلاح في الدنيا والآخرة أخذ جميعهم بأمر الله فاتمروا بالمعروف قبل أن يأمروا غيرهم ، وكانت دعوتهم خالصة لله سبحانه ، وليس فيها غرض دنيوي أو هوى نفسي ، فلم يعرف عنهم إلا الخير، لذلك خاطبهم ربهم بعد ذلك بصيغة الجمع :

     ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأمُرُوْنَ بِالْمَعْرُوْفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤمِنُوْنَ بِاللهِ..﴾.

     إن هذا الوصف الكريم لما كان عليه السلف من هذه الأمة هو توجيه مستمر للمسلمين جميعهم بأن يأخذوا أنفسهم بما أخذ به أسلافهم فيحققون الخيرية على الناس جميعًا .

     ولنتذكر قوله سبحانه وتعالى للجماعة المسلمة :

     ﴿وَأَعِدُّوْا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُوْنَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِيْنَ مِنْ دُوْنِهِمْ لاَتَعْلَمُوْنَهُمْ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوْا مِنْ شَيءٍ في سَبِيْلِ اللهِ يُوَفَّ إلَيْكُمْ وَأنْتُمْ لاَتُظْلَمُوْن﴾ سورة الأنفال الآية 60 .

     فقد ذكر سبحانه وجوب الإعداد المسلح الدائم والإنفاق في سبيله لتحقيق ماورد في هذه الآية من الإرهاب للأعداء الظاهرين وغير الظاهرين منهم .. وهذا خطاب للجماعة المسلمة يجب على أولياء أمورهم الالتزام به دون تهاون ؛ لأنه أمر من الله سبحانه وفيه توجيه لإعداد القوة دون تحديد ، فكل ما يحقق قوة الأمة المسلمة مطلوب منها ، وأن ذلك من بدهيات الأمور .. ووحدة الأمة واتفاق كلمتها هو من جملة هذا الإعداد المطلوب ويتأكد بما سبق الاستشهاد به ﴿وَاعْتَصِمُوْا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيْعًا وَلاَتَفَرَّقُوْا﴾ وهذا الاعتصام بحبل الله يعني أن تتوحد الأمة المسلمة في قيادة واحدة ، وأن تعددت فيها المسؤوليات تحت مظلة هذه الوحدة .

     ولنتذكر أيضًا قوله تعالى :

     ﴿وَتَعَاوَنُوْا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوٰى وَلاَتَعَاوَنُوْا عَلَى الإثـْمِ وَالعُدْوَان..﴾ سورة المائدة الآية 2)

     إن مجالات البر هي مجالات الخير والنفع العام ، فإذا تحقق التعاون المخلص في هذه المجالات انتفع به كل فرد من أفراد الأمة الإسلامية ووصل نفعه إلى غيرهم من باقي الشعوب .

     أما الإثم والعدوان ، فهو ارتكاب الشرور والإضرار بالناس ، فإذا ما تجنب الناس ذلك ، عم السلام بين الناس وعاشوا في تعاون ووئام ، واجتنبوا ما فيه عدوان على أنفسهم وأموالهم .

     وقوله تعالى : ﴿وأمْرُهُمْ شُورٰى بَيْنَهُم﴾ سورة الشورى الآية 28 .

     بمعنى أن ما يهم المسلمين جميعهم من أمر يجب أن لا ينفرد واحد منهم بالتصرف فيه دون الرجوع إلى أهل الرأى فيهم – حسب اختصاص كل منهم – وهذا التوجيه يؤكد وجوب العمل على إيجاد مجالس للشورى ، يرجع إليها أولو الأمر إلى الأمة ، ليتعرفوا على الأصح من الآراء الذي هو أقرب إلى روح الشرع ، وذلك فيما لانص فيه ..

     وهذه التوجيهات – وأمثالها التي يخاطب رب العالمين بها الذين آمنوا هي توجيهات مستمرة ، وعلى المسلمين رعاة ورعية أن يلتزموا بها لكي يحققوا وصف الله لهذه الأمة ، عندما أخذت بها أنها خير أمة أخرجت للناس . وهذه الخيرية لاتتحقق إلا بشروطها .

     هذه هي التطلعات والآمال التي يحرص المسلمون على تحقيقها في أنفسهم ، وهي تطلعات واقعية وليست خيالية ، وأن حال دون تحقيقها – في وقت من الأوقات – ظروف وأوضاع لم يتمكن المسلمون في زمانها من التخلص منها – وإن كانوا يطمعون في تحقيقها – فسيأتي من يحمل عبء ذلك ، مادام شرع الله قائمًا بين أظهرنا ومحفوظاً بحفظ الله له.

 

(الطريق إلى الوحدة الإسلامية، رابطة العالم الإسلامي، مكة المكرمة)

 

*  *  *

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند ، الهند . ذوالحجة 1426هـ = يناير 2006م ، العـدد : 12 ، السنـة : 29.